” لا نستطيع أن نضع باريس في قارورة“
مثل فرنسي
لست أدري ماذا أقول عن باريس وماذا يمكن أن يضيف قولي إلى هذه المدينة العظيمة وقد كتب عنها رواد الفكر والرحلة العرب آلاف المقالات ومئات الكتب منذ كتاب الطهطاوي المثير “تخليص الإبريز من تاريخ باريز “ووصولا إلي أديب طه حسين وأيامه وعصفور من الشرق للحكيم والدنيا في باريس لتيمور ورحلة الشرق والغرب للويس عوض والإنسان الأروبي في الجد واللعب لعبد الستار طويلة وكتابات غادة السمان وإحسان عبد القدوس وأنيس منصور وغيرها من الكتب القيمة ،فباريس من أكثر المدن العالمية التي استأثرت بقلوب المفكرين العرب وعقولهم وهي جديرة بذلك فهي مدينة الحرية والحب والاندفاع والفن والفكر، إنها المدينة التي تجمع العالم بين شوارعها وفي متاحفها ودور الفن والثقافة والأزياء فيها،وهي القلب الذي يضخ الفن والثقافة والمودة والتحرر إلى ربوع الدنيا،فباريس كما يقول أنيس منصور كالمرآة تعكس ما بنفسك وترى فيها صورة مما في روحك وفكرك، يجد الزاهد زوايا يتأمل العالم فيها ،وأناسا يقاسمهم وجهة نظرهم،كما يجد فيها المتشرد وتحت جسورها ملاذا وجماعة بشرية ترى في التشرد أسلوب حياة وعقيدة،والمعربد ما يصطخب فيه من تعتعة وملاح وموسيقى صاخبة ، وعاشق الفن عوالم من الفن سواء كان في الكلمة أوفي اللون أو في الشكل أو في الإيقاع، وعاشق المودة ألوانا من اللباس والعطر ما يجعله فاغرا فاه من مذاهب اللباس وأنماط الحرية،وتهتف في أعماق نفسك هنا الحرية والناس قد خلقوا ليعيشوا في مكان كهذا!
مرة في إحدى زياراتي إلى باريس في الربيع كانت العاصمة الفرنسية تترقب نتائج الانتخابات الرئاسية وكان التنافس حادا بين شيراك الديغولي ولوبان اليميني المتطرف وحدثت المفاجأة لوبان يصعد إلى الدور الثاني، وتذمر اليسار وكان ذلك مؤشرا على تصاعد موجة الكراهية للأجانب والشباب الغاضب يثور ويحطم ويحرق السيارات والشوارع تطوق من قبل الشرطة والقنابل المسيلة للدموع تملأ الزوايا فيكاد يستعصي عليك التنفس والألوان من السباب تسمعها من أفواه الغاضبين في جناب اليمين المتطرف ونحن نتيه من شارع إلى شارع نبحث عن مخرج آمن ويستعصي علينا ذلك.
فباريس ثائرة ومن العجب أن شابا لم يجد من وسيلة لإظهار تذمره بل سخطه على نتائج الانتخابات وعلى سقوط فرنسا بحسب اعتقاده سوى الطواف عاريا –كما ولدته أمه-
يرشق البوليس بالحجارة وبذئ الكلام ،والغريب أن ذلك كان بين فتيات لم يأبهن لمنظره هذا ، بقدر انشغالهن بالنضال ضد التطرف والكراهية!
والفرنسيون من أهم شعوب العالم ولعا بالسياسة إضافة إلى ولعهم بالكلاب والقطط وسياسيوها من أكثر السياسيين الذين يجيدون الكلام فيها وإدارة دفة الحوار لصالحهم .
واللغة الفرنسية حلوة سائغة بطعم الفراولة – إنها لغة الصالونات الأدبية- ثم الحركات التي يجيدونها وحتى ملامح الوجه المعبرة كل هذه العوامل تشد انتباه المتابع لخطبهم وتسحره وكان الجنرال ديغول من أكثر قادة فرنسا إجادة لذلك وهو من أعظم رجالات فرنسا ، سقطت باريس فأبى أن يستسلم وهرب إلى لندن وأسس “فرنسا الحرة “وهي غير حكومة فيشي الموالية للمحور ولم يكن يظهر مع قادة الحلفاء في اجتماعاتهم: تشرشل وستالين وروزفلت فبلده محتل وهم يستصغرونه ولكنه تحرر وأدرك الجنرال أن قوة فرنسا العلمية والحضارية والتاريخية لا تكفيها لتكون ندا للكبار فامتلاك السلاح الذري شرط أساسي لدخول النادي واستطاعت فرنسا بعد ذلك امتلاك هذا السلاح ودخول نادي الأقوياء .
والرئيس ميتران من أكبر قادة فرنسا التاريخيين وقد زاد في إشعاع باريس الثقافي فما عرفه اللوفر من تحديث يعزى إليه وقرار إنشاء أكبر مكتبة في أروبا على ضفاف السين قد زاد من عطاء المدينة الثقافي، ولقد ترددت عليها مرات ومرات قارئا ومستمتعا بالجو الثقافي فيها ولقد كان ميتران من أكثر رؤساء العالم قراءة يخرج من الإليزيه ويتوجه إلى صاحب مكتبة معروف ليقتني كتبا ويطلب أخرى ويحرص وهو رئيس على أداء طقوس القراءة هذه دون مساعدة من أحد!
مدينة يشعر العالم أجمع أن له قطعة فيها من الشعور والفكر والانتماء، وفي أمريكا يقولون زر باريس ومت، ويشبهون بوسطن بباريس والكنديون يشبهون مونتريال بباريس وكبار رجال الأدب الأمريكيون يعيشون ردحا من الزمن فيها فهي تلهم وتعلم ،والحياة فيها ولو لسنة مطلب الأدباء وقد فعل ذلك صموؤيل بيكت الإيرلندي وعزرا باوند وإرنست هيمنغواي الأمريكيين وغيرهم .
وحتى الشرق الأقصى يأخذ نصيبه من حب هذه المدينة – التي لا تشبهها مدينة أخرى-والحلم بالعيش فيها ولو لفترة وجيزة ذلك أن الشرق الأقصى واجد في مدينة النور والبلور من الضياء والشفافية مالا يجده في غيرها فباريس عبر ثورتها الفرنسية أعطت للعالم دستورا خالدا للحرية والكرامة الإنسانية، وهي عبر جامعاتها ومتاحفها وهندستها المعمارية وأحياء الفن والثقافة ودور السينما والتمثيل تواصل نشر رسالة التمدن والرقي الإنسانيين.
وقد زرتها مرات ومرات في جميع فصول السنة وفي كل مرة أكتشف شيئا لم أطلع عليه في المرة السابقة وأرى جديدا،في كل شيء ولو قدر لك أن تزورها مئات المرات سترى الجديد في كل مرة إنها لا تكف عن الإبداع والتجديد مع الحفاظ على الأصول العامة والخصائص الخالدة فيها.
باريس كتاب مفتوح تقرأ كل يوم فيه ما يعمق فيك الإحساس بإنسانيتك وعظمتك كإنسان وأسبقيتك على كل الكائنات،إنها امرأة فاتنة في شرخ الشباب تملأ قلبك حبا وتهياما، لا تكف عن إغرائك وتفجير كوامن عشق الحياة الخبيئة في أغوار نفسك،
وقد زرت باريس أول مرة في شتاء بارد في أواخر الثمانينات وحضرت احتفالات رأس السنة.ورأيت كيف يعشق الناس الحياة ويحرصون على الاستمتاع بها وكيف يعدون لتلك الليلة ألوانا من لطعام والشراب وألوانا من المرح إلى الصباح تفاؤلا بمقدم عام جديد يصيبون فيه حظا من النجاح والسعادة أكثر والصحة.
حين نزلت أول مرة برفقة والدي- وكنت دون العشرين- في ميدان الأنفاليد ورأيت الجسور العظيمة والتماثيل المذهبة والسين الخالد يشطر المدينة إلى شطرين وميدان الكونكورد الخالد بشساعته والتماتثيل العملاقة في صورة امرأة كل تمثال يمثل مدينة فرنسية ففي هذا المكان أعدم لويس السادس عشر مع زوجته ماري أنطوانيت ولفيف من القساوسة ذلك أن شعار الثورة الفرنسية كان “اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس “، لقد تحالف الإقطاع الديني والسياسي على البلد المغلوب على أمره وكان نصيب الشعب الفاقة والجهل والتخلف ونهض مفكرو فرنسا يهيبون بالشعب أن يثور ويحطم الأغلال ويسحق النير بدءا من روسو القائل” خلق الناس ليعيشوا أحرارا” وفولتير القائل “لا أقتنع بما تقول لكن سأدافع عن حقك في أن تقول” و”حرية أصابعك تنتهي عند عيون الآخرين ” إلى ميرابو خطيب الثورة الفرنسية واستجاب الشعب وحاصر سجن الباستيل وأطلق سراح المساجين من أحرار الفكر .
كانت تلك الثورة الفرنسية التي أحدثت في التاريخ البشري ما أحدثته النظرية الكوبرنيكية في العلم : الإنسان قطب الرحى ودرة الوجود سواء أكان فلاحا أو سياسيا أو نبيلا تماما كما هي الشمس في النظرية الكوبرنيكية ومن فرنسا أخذ العالم بذرة الحق ،وتقدير الفرنسيين للمرأة كبير حتى أنها في شعار بلدهم والرموز المجسدة للمدن في الكونكورد نسوية.
قلت في نفسي هذا الجمال حقيق بأن يفتن العالم.
انتابتني أحاسيس شتى وتذكرت للتو ما قرأته من عن هذه المدينة من أعمال رواد الفكر والأدب وتذكرت ثورتها العظيمة وسجن الباستيل وغمرني شعور بالرضا أنني رأيت هذه المدينة وكانت حلما يراود نفسي .
أقمت في باريس مع والدي في هذه المرة في الدائرة السابعة في حي أنيق هو الشاعرية والجمال والسكينة شارع شان دو مارس قريبا من برج إيفل والمدرسة العسكرية ولأن والدي كفاني مؤونة العيش فقد قررت أن أهيم على وجهي في ربوعها ولا أترك فترا لا تطؤه قدمي!
وكنت أعرفها قبل أن أزورها عرفتها من مما قرأته عنا مونمارتر والحي اللاتيني ومونبرناس وبيجال والسوربون واللوفر ودار الاوبرا والسين والمكتبة الوطنية ومدينة العلوم وغابة بولونيا وغابة فانسن وغيرها.
على أنني سأتحدث عن باريس كما رأيتها خلال زياراتي وعن انطباعاتي وسياحتي في مغانيها وربوعها الفنية والتاريخية دون أشير إلى التاريخ.
وباريس في الشتاء لذيذة بطعم الجبن الفرنسي أو الشمبانيا، السين يكتسي لونه الشتوي من تأثير السماء الرمادية والمقاهي الأنيقة تجمع شمل الأحبة على كؤوس الجعة والنوافذ تكسوها طبقة من البخار فلا تكاد ترى من بداخلها.
ومن لايزور باريس ولا يتهافت على رؤية كاتدرائية نوتردام بعد أن قرأ رواية هوغو “أحدب نوتردام “وهي في غمرة السين في “جزيرة فرنسا ” - حيث قصرآل بوربون الأسرة الشهيرة في التاريخ الفكري لفرنسا- بهندستها البديعة وعبق القرون الوسطى بين جنباتها وأنت تشم رائحة الشمع وتصطدم أذنك بعزف الأكورديون والقس يتلو صلواته والقوم في سياحة روحية . هناك تتذكر الأسمرالدا وترفع رأسك عاليا حيث أجراس الكنيسة أين اختبأ كواسيمودو في الرواية الخالدة.
والحي اللاتيني شهير فهو قلب باريس الثقافي وفي العصور الوسطى كان الطلبة يتحدثون باللاتينية لأن اللغة اللاتينية في أروبا كانت لغة العلوم والفكر وما اللغات الأروبية إلا لهجات شعبية وفي الحي اللاتيني السوربون أشهر جامعة في العالم التي أسسها روبير دو سوربون عام 1257لتعليم اللاهوت ولكنها اشتهرت بالآداب والفلسفة وتخرج منها لفيف من الأدباء العرب أشهرهم الدكتور طه حسين الذي كان أول مثقف عربي يحمل لقب دكتور ، والمكتبات عامرة بالكتب في شارع سان ميشيل الذي شهد الثورة الطلابية في أواخر الستينات التي أطاحت بالجنرال ديغول وشارع سان جرمان حيث انتشرت الوجودية بين الشباب في الستينات وكانت الكهوف مجمعا للشباب الوجودي يمارس طقوسه وفي شارع سان جرمان مقهى فلور التي كان سارتر يتردد عليها رفقة سيمون دي بوفوار وألبير كامي ولفيف من الوجوديين وحين دخلت إلى المقهى وسألت النادل عن مكان سارتر أشار إلى ركن حيث تقبع في ركن طاولة محاطة بالكراسي لا يجلس عليها أحد وفي الجدار صورة لنفس المائدة لسارتر وصحبه فهو كاتب كبير في فرنسا حتى أن ديغول لم يقدر على إدخاله السجن حين كان سارتر يشوش على الحكومة ويحتج على حرب فرنسا في شمال إفريقيا فقال الجنرال كلمته الشهيرة “لا أستطيع أن أضع فرنسا في السجن“،وحديقة اللوكسمبورغ من أجمل حدائق العالم ينشد فيها المتأملون والقراء والعشاق السكينة والجمال فيصيبون منهما حظا عظيما،ولا تدخل الحديقة إلا تذكرت جان فلجان وكوزيت في رواية البؤساء لهوغو حين كان يتردد عليها نشدانا لبعض الراحة والجمال.
وفي الحي اللاتيني البانثيون وهو مدفن العظماء من رجال الفكر والتاريخ تدفع فرنكات قليلة وتسير في هذا البناء الشامخ المكلل بجلال التاريخ حيث يرقد عظماء فرنسا على أن الركن المخصص لمفكري فرنسا العظيمين روسو وفولتير تركا في انطباعا كبيرا يتقابل المرقدان وأنا أتنقل بينهما استعدت طرفا من أحداث التاريخ روسو المفكر الإنساني صاحب الاعترافات والعقد الاجتماعي وإميل والذي كان له أكبر الأثر في الثورة الفرنسية وفولتير الم
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ